الشيخ محمد رشيد رضا
481
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بقدرة الخالق وسعة علمه ودقائق حكمته بعد توفية مسألة البعث حقها من البحث وكان المناسب أن يذكر بحث التكوين في سياق خلق آدم في أوائل السورة ضرب اللّه إحياء البلاد بالمطر ، مثلا لبعث البشر ، ثم ضرب اختلاف إنتاج البلاد ، مثلا لما في البشر من اختلاف الاستعداد ، للغي والرشاد ، فقال * * * ( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً ) قال ابن عباس هذا مثل ضربه اللّه للمؤمن والكافر ، أي والبر والفاجر ، ومعناه أن الأرض منها الطيبة الكريمة التربة التي يخرج نباتها بسهولة ، وينمى بسرعة ، ويكون كثير الغلة طيب الثمرة ، ومنها الخبيثة التربة كالحرة والسبخة التي لا يخرج نباتها على قلته وخبثه - ان أنبتت - الا بعسر وصعوبة . قال الراغب : النكد كل شيء خرج إلى طالبه بتعسر يقال رجل نكد ونكد ( أي بفتح الكاف وكسرها ) وناقة نكداء : طفيفة الدر صعبة الحلب - وذكر الآية . وقوله والذي خبث حذف موصوفه أي والبلد الذي خبث وهو دون الخبيث في الخبث . فان صيغة فعيل من الصيغ التي تدل على الصفات الكاملة الثابتة . والنكد قد يكون فيما دون هذا من الخبث . ومن دقة البلاغة في هذين التعبيرين دلالتهما على الترغيب في طلب الرسوخ في صفات الكمال ، وتجنب أدنى الخبث والنقص وبين ذلك درجات . روى احمد والشيخان والنسائي من حديث أبي موسى ( رض ) قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب « 1 » أمسكت الماء فنفع اللّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب طائفة أخرى منها انما هي قيعان « 2 » لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه ما بعثني اللّه به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به » وقد فسر ( ص ) القسم الأول وهو الذي نفع وانتفع كالهادي والمهتدي والثالث الذي لم ينفع ولم ينتفع كالجاحد وسكت عن الثاني وهو الذي انتفع غيره بعلمه من دونه كالعالم الذي يعلم غيره ولا يعمل
--> ( 1 ) الاجادب جمع جدب بفتح الجيم والدال المهملة وهي التي لا تشرب ولا تنبت ( 2 ) القيعان بكسر القاف جمع قاع وهي الأرض المستوية